السيد محمد الصدر
269
منة المنان في الدفاع عن القرآن
إلى ما سبق فرعون فهذا مشكوكٌ فيه . نعم ، يشفع لذلك شيءٌ واحدٌ ، وهو أنَّه إذا كان عائداً إلى فرعون بالخصوص فلابدّ أن يكون مفرداً ، فيقول : ( الذي طغى في البلاد . . ) ونحن ذكرنا فيما سبق : أنَّ ضمير الجمع يعود إلى فرعون فقط ؛ لأنَّ فرعون معنىً كلّي ، ولا حاجة إلى إرجاعه إلى عادٍ وثمود ، فعادٌ وثمود خارجان عن هذا الاعتراض والإشكال ، أي : الاعتراض القرآني ، وهو أنَّهم طغوا في البلاد ، وإن كانوا قد طغوا في الواقع ، وأنا لا أنفي ذلك ، لكن هذه الصفة في الآية غير راجعةٍ إليهم ضرورةً . فإن قلت : إنَّ سياق هذه المجموعة من الآيات الكريمة التي نتحدّث عنها سياقٌ واحدٌ : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ فهذا سياقٌ واحدٌ ، وقوله : صَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ يعني : على المجموع المتقدّم : عادٍ وثمود وفرعون ، وليس على واحدٍ منهم ، وكذلك قوله : طَغَوْا فِي الْبِلَادِ يعود إلى المجموع أيضاً ببركة وحدة السياق ، وقد استشهدنا كثيراً بوحدة السياق في الفقه والأُصول ، أي : لفظان أحدهما يقيني الدلالة والآخر مشكوك الدلالة ، فنحمل الثاني على الأوّل ، فقوله : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ مشكوك الدلالة فرضاً ، وأمّا قوله : صَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ فهو يقيني الرجوع إلى المجموع ، فنعيد المشكوك أيضاً إلى المجموع . قلت : هذا الكلام له أكثر من جوابٍ واحدٍ : أوّلًا : يمكن القول : إنَّ وحدة السياق هنا غير موجودةٍ ، وإنَّ قوله : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ وقع صلة موصولٍ ، ولا نتجاوز